فخر الدين الرازي
49
تفسير الرازي
المسألة الثانية : قال بعض المفسرين : إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه ، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبيّن تعالى أن الانفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى قال القفال رحمه الله : وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبراً أيضاً فيمن أنفق على نفسه ، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى ، ولا يمن به على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ولا يؤذي أحداً من المؤمنين ، مثل أن يقول : لو لم أحضر لما تم هذا الأمر ، ويقول لغيره : أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد . المسألة الثالثة : * ( المن ) * في اللغة على وجوه أحدها : بمعنى الانعام ، يقال : قد من الله على فلان ، إذا أنعم ، أو لفلان على منّة ، وأنشد ابن الأنباري : فمني علينا بالسلام فإنما * كلامك ياقوت ودر منظم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة " يريد أكثر إنعاماً بماله ، وأيضاً الله تعالى يوصف بأنه منان أي منعم . والوجه الثاني : في التفسير * ( المن ) * النقص من الحق والبخس له ، قال تعالى : * ( وإن لك لأجراً غير ممنون ) * أي غير مقطوع وغير ممنوع ، ومنه سمي الموت : منوناً لأنه ينقص الأعمار ، ويقطع الأعذار : ومن هذا الباب المنة المذمومة ، لأن ينقص النعمة ، ويكدرها ، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة ، قال قائلهم : زاد معروفك عندي عظما * أنه عندي مستور حقير تتناساه كأن لم تأته * وهو في العالم مشهور كثير إذا عرفت هذا فنقول : المن هو إظهار الاصطناع إليهم ، والأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموماً لوجوه الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي ، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام ، زاد ذلك في انكسار قلبه ، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسئ إليه بعد أن أحسن إليه والثاني : إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك الثالث : أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه ، وأن يعتقد أن لله عليه نعماً عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول الله إياه ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير الرابع : وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك